ابن عربي
334
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
الأنهار كلها إلى الجنة ، إلى عين التسنيم ، يرفعها جبريل إليه في طست من الذهب يوم القيامة . وأما الرياح الأربعة فهي : الجنوب وتسمى عند اللّه الأزيب ، والشمال . والجنوب تخرج من الجنة فتمرّ على النار ، وأما الشمال فتخرج من النار فتمرّ بالجنة ، فبردها منها . وأما الزمهرير والحرور فمن تنفّس جهنم والصبا ، والدبور . ومبعث هذه الرياح كلها من تحت العرش ، ومستقرها تحت الأرض ، وهي التي تسمى : العرقر . روينا من حديث الهاشمي ، يبلّغ به النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أيها الناس ، لا تشغلنكم دنياكم عن أخراكم ، ولا تؤثروا هواكم عن طاعة ربكم ، ولا تجعلوا إيمانكم ذريعة إلى معاصيكم ، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ومهّدوا لها قبل أن تعذّبوا ، وتزوّدوا للرحيل قبل أن تعجزوا ، فإنما هو موقف عدل ، واقتضاء حق ، وسؤال عن واجب . ولقد أبلغ الأعذار ، من تقدم في الإنذار » . ومن وقائع بعض الفقراء إلى اللّه تعالى ، ما حدثنا به عبد اللّه ابن الأستاذ المروزي ، قال : قال بعض الصالحين : رأيت في الواقعة أبا مدين ، وأبا حامد ، وأبا يزيد ، وجماعة من الرجال ، فقالوا لأبي مدين : عد علينا من كلامك في التوحيد ، فقال : التوحيد وطن العارفين ، وبه تاهوا ، وليس لهم مستقر إلا هو ، هو حياة أسرارهم ، ومادة القلوب ، وكل كليتهم ، وغيب الغيوب ، هو السيد المتبوع ، وما عدا تبع ، والقائم بنفسه ، وقوام من صنع ، هو مجرى لأسرارهم ، وأسرارهم جداوله ، وموضع نظر العارف فيما يأتيه ويحاوله ، علت همته فسما ، فمن سقط عن هذه المرتبة فهو مغمى عليه وأعمى ، وللعارف من معروفه دلائل وروائح ، يظهر طيب نسيمها الغادي والرائح ، يشم فيها أنوار التنزيه ، ويكشف له عن غيبه فيجده فيه ، فتلاشت أحواله وسماته ، ونفيت رسومه وصفاته ، فلا قول ولا قائل ، إذ كل ما سواه عدم وزائل ، هو أصل كل شيء ومادّته ، وبه حياة كل حي وحركته ، هو الرفيق الجليل ، وقدرته عمّت الكثير والقليل ، فلذّة العارف من معروفه في التحلي ، وصفاته ظاهرة بالتبرّي والتخلي يقري عن الكونين أدناها وأعلاها ، ولم يرض بشيء منها دون من سواها ، فسرّه من الغيب مطهّر والمعلوم مكاشف ومظهر ، قلبه في حضرة مالكه يسري ، وفكرته في ميادين المعارف تجري ، فتوحاته منه إليه دائمة ، وحقيقته عما سواه صائمة ، غذاؤه من التوحيد الدقيق ، وشرابه من الصافي الرقيق ، قد خامر سرّه فأمعن فيه ، فظلّ عند ربه يطعمه ويسقيه . سمعت بعض أصحابنا يقول : قال بعض الصالحين : كتبت إلى رجل من إخواني وأنا